الرئيسية / الرؤى القانونية

الشرط الجزائي في العقود التجارية ومتى يحق للقاضي تعديله

11 أكتوبر 2026

يتفق كثير من التجار والشركات في عقودهم على مبلغ محدد يدفعه الطرف المخل بالتزامه دون حاجة إلى إثبات مقدار الضرر. ويسمى هذا الاتفاق الشرط الجزائي أو التعويض الاتفاقي وقد نظمه نظام المعاملات المدنية تنظيما صريحا بعد أن كان مرجعه الاجتهاد القضائي. ويهم هذا المقال كل شركة توقع عقود توريد أو مقاولات أو خدمات وكل فرد يدخل في التزام تجاري محدد المدة.

باختصار

الشرط الجزائي صحيح ومعتبر في الأصل ويلتزم به الطرفان كما يلتزمان ببقية بنود العقد. لكن المحكمة قد لا تحكم به إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر. ويجوز لها أن تخفضه بطلب المدين إذا كان التقدير مبالغا فيه أو نفذ جزء من الالتزام. ولا يصح الاتفاق على حرمان المدين من هذه الدفوع أو منع المحكمة من النظر فيها.

ما المقصود بالشرط الجزائي في العقود التجارية؟

الشرط الجزائي بند يحدد فيه المتعاقدان مقدما قيمة التعويض الذي يستحق عند الإخلال بالالتزام أو التأخر في تنفيذه. ومن أمثلته اشتراط مبلغ يومي على المقاول عن كل يوم تأخير في التسليم أو مبلغ مقطوع عند الإخلال بعقد التوريد. ويجوز أن يرد هذا البند في العقد نفسه أو في اتفاق لاحق يوقعه الطرفان قبل وقوع الإخلال.

والغاية منه أن يعرف كل طرف مسبقا كلفة إخلاله وأن يختصر النزاع حول تقدير الضرر أمام المحكمة. فالدائن لا يحتاج في الأصل إلى إثبات حجم خسارته لأن الطرفين قدراها سلفا عند التعاقد.

هل الشرط الجزائي ملزم في النظام السعودي؟

نعم فالشرط الجزائي ملزم في الأصل ويعامل معاملة سائر بنود العقد التي ارتضاها الطرفان. ونصت المادة الثامنة والسبعون بعد المائة من نظام المعاملات المدنية على جواز أن يحدد المتعاقدان مقدما قيمة التعويض في العقد أو في اتفاق لاحق. وقد سبق هذا التنظيم قرار لهيئة كبار العلماء أجاز الشرط الجزائي في العقود واستثنى منه ما يكون في الديون.

غير أن هذا الإلزام ليس مطلقا لأن النظام أعطى المدين وسائل للدفاع وأعطى المحكمة سلطة الرقابة على المبلغ المتفق عليه. وهذه الوسائل هي محور الأسئلة التالية وهي التي تحدد في الواقع مصير كثير من المطالبات.

متى لا يستحق الدائن مبلغ الشرط الجزائي؟

نصت المادة الثامنة والسبعون بعد المائة من نظام المعاملات المدنية على أن التعويض الاتفاقي لا يكون مستحقا إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه ضرر. فالشرط الجزائي تقدير للتعويض وليس عقوبة مستقلة عن الضرر وإذا انتفى الضرر انتفى سبب الاستحقاق. ويقع عبء إثبات انتفاء الضرر على المدين لا على الدائن وهذا هو الفرق العملي المهم بين وجود الشرط وغيابه.

كما يشترط النظام في الأصل أن يكون الإخلال راجعا إلى المدين لا إلى سبب أجنبي لا يد له فيه. فإذا أثبت المقاول مثلا أن التأخير نتج عن قوة قاهرة أو عن فعل صاحب العمل فلا يلزمه الشرط عن تلك المدة. ويشترط النظام كذلك في الأصل إعذار المدين قبل المطالبة بالتعويض ما لم يتفق الطرفان على الإعفاء من الإعذار أو يقرر النظام عدم لزومه.

متى يحق للقاضي تخفيض الشرط الجزائي؟

أجازت المادة الثامنة والسبعون بعد المائة للمحكمة بناء على طلب المدين أن تخفض التعويض الاتفاقي في حالتين. الحالة الأولى أن يثبت المدين أن التقدير كان مبالغا فيه مبالغة تجعله بعيدا عن الضرر الحقيقي. والحالة الثانية أن يثبت أن الالتزام الأصلي قد نفذ في جزء منه فيخفض المبلغ بما يتناسب مع ما تم تنفيذه.

ويلاحظ أن التخفيض لا يكون من تلقاء المحكمة وإنما بطلب يقدمه المدين ويدعمه بالأدلة. فإذا سكت المدين عن طلب التخفيض أو عجز عن إثبات المبالغة فالأصل أن يحكم بالمبلغ المتفق عليه. ولذلك يحتاج الطرف المطالب بالشرط إلى توثيق ضرره كما يحتاج المدين إلى توثيق ما نفذه من التزامات.

ومعيار المبالغة لا يحدده النظام برقم أو نسبة بل تقدره المحكمة بحسب ظروف كل عقد وحجم الضرر المحتمل. وقد تنظر المحكمة في ذلك إلى نسبة المبلغ من قيمة العقد وإلى طبيعة النشاط وما جرى به العرف التجاري في مثله.

هل يمكن للدائن المطالبة بأكثر من مبلغ الشرط الجزائي؟

الأصل أن الدائن لا يطالب بأكثر من المبلغ المتفق عليه حتى لو تجاوز ضرره الفعلي هذا المبلغ. ونصت المادة التاسعة والسبعون بعد المائة من نظام المعاملات المدنية على استثناء هذا الأصل إذا أثبت الدائن أن المدين ارتكب غشا أو خطأ جسيما. وفي هذه الحالة يجوز للدائن أن يطالب بالتعويض عن ضرره كاملا ويقع عليه عبء إثبات ذلك ومقدار الضرر.

وهذا الحكم يعني أن الشرط الجزائي يعمل في الاتجاهين فهو يحمي الدائن من صعوبة الإثبات ويحمي المدين من مطالبات غير متوقعة. ولذلك ينبغي ألا يحدد المبلغ بأقل كثيرا من الضرر المتوقع لأن الدائن قد يجد نفسه مقيدا به.

هل يجوز الاتفاق على منع القاضي من تعديل الشرط؟

لا يجوز ذلك لأن النظام قرر بطلان كل اتفاق يخالف أحكام عدم الاستحقاق والتخفيض المذكورة في المادة الثامنة والسبعين بعد المائة. فلو نص العقد على تنازل المدين عن حقه في طلب التخفيض فإن هذا النص لا يمنع المحكمة من نظر الطلب. ويبقى سائر العقد صحيحا في الأصل ويسقط أثر النص المخالف وحده دون بقية البنود.

وكذلك لا يعتد النظام في الأصل بالشرط الذي يعفي المدين من المسؤولية عن غشه أو خطئه الجسيم. فصياغة عبارات واسعة تحد من المسؤولية دون مراعاة هذه القيود قد تمنح الطرفين طمأنينة لا تصمد عند النزاع.

هل يصح الشرط الجزائي على تأخر سداد الديون؟

هذه المسألة من أهم ما يقع فيه الخطأ عند صياغة العقود التجارية في المملكة. فقد استقر الاجتهاد الشرعي والقضائي على أن الشرط الجزائي لا يصح إذا كان الالتزام الأصلي دينا نقديا. فاشتراط مبلغ إضافي أو نسبة شهرية على المشتري إذا تأخر في سداد الثمن يعد زيادة في الدين ويأخذ حكم الربا.

ويختلف ذلك عن الشرط الجزائي على التأخر في تنفيذ عمل أو تسليم بضاعة أو تقديم خدمة فهذا جائز في الأصل. ولحماية الدائن في الديون يلجأ المتعاقدون عادة إلى ضمانات أخرى مثل السند لأمر أو الكفالة أو الرهن أو حلول الأقساط عند التأخر.

هل تطبق هذه الأحكام على العقود الموقعة قبل نظام المعاملات المدنية؟

دخل نظام المعاملات المدنية حيز النفاذ في أواخر عام 2023 للميلاد وأصبح المرجع النظامي العام للشرط الجزائي. والأصل أن أحكامه تسري على الوقائع اللاحقة لنفاذه مع وجود أحكام انتقالية تتعلق بالعقود والتصرفات السابقة. ولذلك تحتاج العقود القديمة التي وقع فيها الإخلال إلى دراسة خاصة لتحديد القواعد التي تحكم النزاع.

ما الذي ينبغي فعله الآن

راجع الشروط الجزائية في عقودك القائمة وتأكد أن كل مبلغ مرتبط بالتزام محدد وأن له منطقا تجاريا يمكن شرحه للمحكمة. فالشرط الذي يبين سبب تقديره أقرب إلى الصمود من شرط يحدد مبلغا كبيرا دون صلة واضحة بالضرر المحتمل.

ضع سقفا إجماليا للغرامات اليومية بنسبة معقولة من قيمة العقد واربط بداية احتسابها بتاريخ واضح وبإعذار مكتوب. وافصل بين الشرط الجزائي على التأخير والشرط الجزائي على عدم التنفيذ الكلي حتى لا يجتمع المبلغان على واقعة واحدة.

احتفظ بسجل موثق للضرر الفعلي من مراسلات وفواتير ومحاضر استلام لأن المدين قد يدفع بانتفاء الضرر أو بالمبالغة. وإذا كنت الطرف الملتزم فوثق ما نفذته وأسباب التأخير التي لا يد لك فيها أولا بأول.

تجنب أي نص يرتب زيادة مالية على تأخر سداد الثمن واستبدله بضمانات مشروعة تحفظ حقك. واعرض العقود الكبيرة على محام قبل التوقيع لأن تعديل الصياغة في هذه المرحلة أيسر كثيرا من النزاع عليها لاحقا.

أسئلة شائعة

هل يجب على الدائن إثبات الضرر للمطالبة بالشرط الجزائي؟

لا يلزمه في الأصل إثبات مقدار الضرر لأن الطرفين قدراه مسبقا في العقد. ويقع على المدين عبء إثبات أن الدائن لم يتضرر أو أن التقدير مبالغ فيه إذا أراد إسقاط المبلغ أو تخفيضه.

هل يستطيع القاضي زيادة الشرط الجزائي إذا كان الضرر أكبر؟

لا يزيد القاضي المبلغ في الأصل ولو كان الضرر الفعلي أكبر منه بكثير. ويستثنى من ذلك أن يثبت الدائن أن المدين ارتكب غشا أو خطأ جسيما فيجوز حينئذ الحكم بالتعويض الكامل.

هل يجوز للمحكمة إسقاط الشرط الجزائي كليا؟

يجوز للمحكمة ألا تحكم بالمبلغ إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر. كما لا يستحق الشرط إذا كان الإخلال راجعا إلى سبب أجنبي أو كان الشرط مرتبطا بتأخر سداد دين نقدي.

هل تختلف أحكام الشرط الجزائي في العقود الحكومية؟

العقود مع الجهات الحكومية يحكمها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية وفيهما أحكام خاصة بغرامات التأخير وسقوفها. ولذلك ينبغي مراجعة تلك الأحكام الخاصة إلى جانب القواعد العامة في نظام المعاملات المدنية.

إذا كانت لديك عقود قائمة تتضمن شروطا جزائية أو كنت تستعد لتوقيع عقد جديد فيمكن لفريق صياغة العقود ومراجعتها في الحل المتقن مراجعتها واقتراح صياغة متوازنة. ويسعدنا استقبال طلبك عبر صفحة طلب اجتماع لتحديد موعد مع أحد محامينا.

يستند هذا المقال إلى نظام المعاملات المدنية وقرار هيئة كبار العلماء في الشرط الجزائي ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية.

هذا المقال للتوعية العامة ولا يعد استشارة قانونية ويحسن عرض كل حالة على محام مختص قبل اتخاذ أي قرار.

+966 56 998 8898